محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

500

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والحكم وإنّما معناه الضراعة والابتهال وإظهار العجز وعرض الاحتياج ، كذلك السؤال عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بقولهم : راعنا من المراعاة احتكام عليه ، وبقولهم : أرعنا سمعك واسمع منّا ( 218 آ ) كذلك . فلهم أن يقولوا ولنا أن نسمع ، ولهم الأمر وعلينا الامتثال والطاعة ؛ وقوله تعالى : وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا دليل على أنّ قوله راعنا ضدّ لذلك . ولقد كان بعض المسلمين يجازفون في المعاشرة فيظنّون أنّ مكان النبوّة ومكان سائر الناس على وتيرة واحدة ، فربّما يتقدّمونه في المشي ويسبقونه بالقول ويرفعون أصواتهم فوق صوته ويجهرونه بالاسم كجهر بعضهم لبعض ، فنهاهم اللّه - عزّ وجلّ - عن ذلك كلّه ، وبيّن أنّ ذلك محبط للأعمال كلّها ، كذلك كانوا يأمرونه بالمراعاة والاحترام والافتقاد والإكرام ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا توقيرا وتعزيزا لمنصب النبوّة ومنصب الإمامة ، وكلّ من يكون في الدرجة أعلى وأقدم . وسرّ آخر : أنّ النظر إذا تجرّد عن الصلات كان بمعنى الرحمة ، يقال : نظرته ، إذا رحمته ؛ فقوله : وقولوا انظرنا ، أي أرحمنا ؛ وإذ كان شخصه المبارك رحمة اللّه تعالى ، فحقيق أن تطلب الرحمة من معدن الرحمة والخير والبركة ؛ وقوله : واسمعوا ، أي العلم والعمل سمعيّان ؛ فاسمعوا حتّى تعلموا واسمعوا حتّى تطيعوا ، وبضدّ ذلك راعنا وأرعنا سمعك ، كما قالوا : واسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ، وكأنّهم قلبوا الحال والمقال وأوجبوا السمع على النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ليعلم ويعمل به ليّا بألسنتهم ، وقلبا لقوله عليه وعكسا ، وذلك هو الطعن في الدين والخروج عن زمرة المؤمنين ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وأقوم ؛ فمن قال : يجب على اللّه تعالى بحكم العقل كذا ويجب على الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - كذا فهو الذي يقول : اسمع منّي وأطعني في أمري وراعني وارع حقّي ؛ فلم يكن من الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه .